لكني مكنتش عايزة خوفنا يمحي الرحمة اللي جواه. وفي يوم، وأنا بجهزله شنطة المدرسة، لقيته حاطط فوطة صغيرة جديدة في الجيب الجانبي. سألته: — إيه دي يا حبيبي؟ قال: — فوطة يا ماما. ضحكت. — عارفة إنها فوطة، بس إنت حاططها ليه؟ بصلي بجدية. — علشان لو حد احتاج مساعدة تاني. حضنته. — يا حبيبي، أهم حاجة تفضل آمن وتطلب مساعدة الكبار. ابتسم وقال: — حاضر يا ماما… بس مش هقدر أشوف حد تعبان وأعمل نفسي مش شايفه.
وساعتها عرفت إن ابني كبر فعلًا. مش علشان بقى يقدر يمشي عشر دقايق لوحده. لكن علشان قلبه بقى قادر يحس بوجع إنسان غريب. بعد حوالي ست شهور من اليوم اللي بدأت فيه الحكاية، حصل موقف عمره ما هيروح من ذاكرتي. كنا قاعدين كلنا على سفرة الغدا. أنا وجوزي وابني والحاجة فاطمة وعم صلاح وأسرته. البيت كان مليان ضحك وكلام. الحاجة فاطمة كانت قاعدة على رأس السفرة، وبصت حوالين نفسها.
وفجأة سكتت. لاحظت إنها بتعيط. قلت بقلق: — مالك يا تيتة؟ تعبانة؟ هزت راسها. — لأ يا بنتي… أنا مبسوطة. عم صلاح مسك إيدها. — أمال بتعيطي ليه يا أمي؟ بصتله، وبعدين بصت لابني. وقالت: — من ست شهور، كنت ماشية في الشارع وأنا حاسة إني خلاص مليش حد في الدنيا. سكتت لحظة. — كنت رايحة المكان اللي فقدت فيه ابني، زي ما بعمل كل سنة، وكنت تعبانة ومش قادرة أكمل.
دموعها نزلت. — وقعت، وافتكرت إن دي نهايتي. وبعدين شاورَت على ابني. — لحد ما الطفل ده وقف جنبي. ابني ابتسم بخجل. قالت: — أنا كنت بدعي ربنا طول عمري أشوف ولادي قبل ما أموت… وربنا استجابلي على إيد طفل صغير مكنش يعرفني. عم صلاح قام وباس راسها. وجوزي قرب منها وحضنها. وأنا كنت بتفرج على المشهد وقلبي مليان امتنان. لكن الحاجة فاطمة لسه مخلصتش كلامها.
مدت إيدها لابني وقالت: — تعالى يا حبيبي. راح قعد جنبها. طلعت من جيبها علبة صغيرة. فتحتها. كان جواها سلسلة فضة قديمة، فيها تعليقة صغيرة على شكل قلب. قالت: — دي كانت هدية من جوزي الله يرحمه، وفضلت محتفظة بيها طول السنين دي. ابني بص للسلسلة. — جميلة يا تيتة. ابتسمت. — أنا عايزة أديهالك. قلت بسرعة: — لأ يا تيتة، دي ذكرى غالية عندك. ردت: — وعشان غالية، عايزة تفضل في العيلة. وبعدين بصت لابني.
— خليها عندك يا حبيبي، وافتكر دايمًا إن المعروف عمره ما بيضيع. ابني مسك العلبة بحرص. وقال: — أوعدك يا تيتة. في نفس الليلة، بعد ما الضيوف مشيوا، دخلت أوضة ابني علشان أطمن عليه. لقيته نايم، والسلسلة في علبتها جنب السرير. قعدت جنبه شوية. فضلت أبص لوشه الهادي. وافتكرت اليوم اللي اتولد فيه. كنت شايلته بين إيديا، وخايفة عليه من كل حاجة. وافتكرت أول مرة مشي فيها، وأول يوم دخل فيه المدرسة.
وبعدين افتكرت اليوم اللي طلب مني يرجع فيه لوحده. أنا وافقت بالعافية. كنت فاكرة إن أكبر إنجاز هيعمله إنه يوصل البيت من غير ما يتوه. لكن ربنا كان كاتبله حكاية مختلفة تمامًا. ابني اتأخر عشرين دقيقة. عشرين دقيقة كنت فيهم هتجنن من الخوف. لكن العشرين دقيقة دول كانوا سبب إن ست عجوز تلاقي ابنها اللي افتكرته مات. وسبب إن راجل كبير يعرف إن أمه لسه عايشة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.