لكن بدل ما يعلنوا الحقيقة، فضلوا يدوروا على أمهم الأول. سألت عم صلاح: — طب إنت كنت بتقول لجوزي إنك صاحب أبوه من زمان، ليه مقلتش إنك عمه بعد وفاة أخوك؟ بص لجوزي بحزن. — كنت مستني الوقت المناسب… وكل ما أقرر أحكي، أخاف أفتح جروح قديمة. جوزي رد بعتاب: — بس إنت حرمتني أعرف إن ليا عم، وحرمتها تعرف إن ليها حفيد وابن عايشين! عم صلاح وطى راسه. — عندك حق… وأنا غلطان. الحاجة فاطمة مسكت إيده.
— خلاص يا ابني… اللي راح من العمر مش هيرجع، بس اللي فاضل من عمرنا منضيعوش في العتاب. وبعدين بصت لابني. — تعالى يا حبيبي. راح قعد جنبها. حضنته وباست راسه. — إنت عارف إنك عملت إيه النهارده؟ قال ببراءة: — أنا بس ساعدتك لما وقعتي يا تيتة. ابتسمت وسط دموعها. — لأ يا حبيبي… إنت رجعتلي عيلتي. لكن كان لسه فيه موضوع لازم نخلصه. الصندوق الحديد. الأوراق القديمة. والميراث اللي اتاخد من الحاجة فاطمة من عشرات السنين.
جوزي قال: — لازم نراجع الأوراق دي مع محامي، ونعرف إيه الحقوق اللي ممكن ترجع قانونًا. عم صلاح هز راسه. — وأنا هساعدكم بكل اللي عندي من مستندات. الحاجة فاطمة قالت: — أنا مش عايزة مشاكل يا ولادي. جوزي رد: — مش علشان الفلوس يا تيتة… علشان حقك، وعلشان الحقيقة متفضلش مدفونة. وفعلًا، خلال الأسابيع اللي بعد كده، رحنا لمحامي متخصص في قضايا الميراث. راجع الأوراق القديمة، وطلب مستندات إضافية علشان يتأكد من الملكية وتسلسل الورثة.
قال إن الموضوع معقد، وإن بعض الحقوق ممكن تكون محتاجة إجراءات قضائية طويلة، وإن الأوراق القديمة لوحدها مش كفاية للحكم بأي حاجة. مكنش عندنا ضمان إننا هنسترد أملاك أو فلوس. لكن كان عندنا حاجة أهم. الحاجة فاطمة أخيرًا بقى ليها بيت وأهل.
جوزي أصر إنها تعيش معانا لحد ما تستقر حالتها الصحية ونرتب لها مكان مناسب وسط العيلة. وعم صلاح بقى ييجي كل يوم تقريبًا. كان يقعد معاها بالساعات. يحكيلها عن طفولته، وعن المدرسة، وعن أول شغل اشتغله، وعن ولاده وأحفاده.
وهي تسمعله كأنها بتحاول تعوض كل يوم ضاع منها. وساعات كانت تبصله وتسأله: — كنت بتحب تاكل إيه وإنت صغير؟ يضحك ويقول: — كنت بموت في البطاطس المحمرة. فتضحك وترد: — سبحان الله… أخوك عبد الرحمن كان زيك بالظبط! وفي يوم، لقيتها قاعدة لوحدها، ماسكة صورة حمايا الله يرحمه. كانت بتكلمه كأنه قدامها. — سامحني يا حبيبي… أنا عمري ما سبتك بإرادتي. قعدت جنبها. قلت: — هو أكيد عارف الحقيقة دلوقتي. بصتلي وابتسمت بحزن.
— نفسي كنت أحضنه مرة واحدة بس قبل ما يموت. مسكت إيدها. — ربنا يجمعكم على خير في الجنة. مرت شهور. الحاجة فاطمة صحتها اتحسنت شوية، وبقت تضحك أكتر. وابني بقى متعلق بيها جدًا. كل يوم يرجع من المدرسة، يدخل عليها قبل ما يغير هدومه. — عاملة إيه يا تيتة؟ فتفتح دراعاتها. — تعالى يا نور عيني! وكانت دايمًا تحكيله حكايات قديمة، وهو يسمعها بانبهار. أما أنا، فاتغيرت نظرتي لابني.
كنت فاكرة إن حمايته معناها إني أفضل جنبه في كل خطوة. لكن اكتشفت إن التربية مش بس إننا نخاف على ولادنا. التربية كمان إننا نعلمهم يشوفوا وجع غيرهم، ويتصرفوا بحكمة لما حد يحتاج مساعدة. طبعًا اتكلمنا معاه عن قواعد الأمان. فهمناه إنه لو شاف حد واقع أو تعبان، يطلب مساعدة شخص بالغ ويتصل بالإسعاف عند الضرورة، وإنه مينفعش يعرض نفسه للخطر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.