ابني ابتسم ابتسامة صغيرة. — يعني أنا لقيت جدتي الكبيرة؟ حسيت بغصة في زوري. الولد اللي خرج من المدرسة لأول مرة لوحده، رجع ومعاه حكاية عيلة كاملة! بعد حوالي ساعة، الدكتور سمحلنا ندخل للست تاني. كانت أهدى شوية، لكن أول ما شافت جوزي، دموعها نزلت. قالت: — تعالى اقعد جنبي يا ابني… نفسي أبصلك كويس. قعد جنبها. مدت إيدها ولمست وشه. — نفس عيون أبوك… حتى حواجبك شبهه. جوزي سألها: — حضرتك اسمك إيه؟
قالت: — فاطمة. وبعدين ابتسمت بحزن. — كنت فاكرة إن اسمي اتمسح من الدنيا، وإن مفيش حد هيناديني يا أمي تاني. جوزي مسك إيدها. — احكيلي يا حاجة فاطمة… إيه اللي حصل زمان؟ خدت نفس طويل. — الحكاية بدأت من أكتر من خمسين سنة، يوم ما اتجوزت أبو عبد الرحمن. سكتت لحظة، وكملت: — كنت بنت غلبانة، يتيمة الأب والأم، واشتغلت من صغري في الخياطة.
واتجوزت راجل من عيلة ميسورة، بس أهله عمرهم ما رضوا عن جوازنا. قلت: — ليه؟ — علشان كنت فقيرة، ومليش أهل يسندوني. نزلت دمعة على خدها. — جوزي كان بيحبني، لكن كان ضعيف قدام أهله، خصوصًا أمه وأخوه الكبير. ولما خلفت عبد الرحمن، افتكرت إن الدنيا هتضحكلي. لكن بعد أربع سنين، جوزي مات فجأة.
وسابني أنا وابني الصغير في بيت عيلة عمرها ما اعتبرتني واحدة منها. سألتها: — عملوا فيكي إيه؟ بصت للسقف. — في الأول قالولي اقعدي معانا، وإحنا هنربي الولد. وبعد كام شهر، بدأوا يضيقوا عليّا في الأكل والهدوم والكلام. وفي يوم، أخو جوزي دخل عليّا وقال: “إنتِ لسه صغيرة، ولازم تتجوزي وتعيشي حياتك. سيبي عبد الرحمن هنا وإحنا هنربيه.” قلتله: “ابني؟! أسيب ابني لمين؟
! ده روحي!” هددني إنهم هياخدوه مني. كنت خايفة، لكن مستحيل أسيبه. وفي ليلة، أخدت ابني ومشيت من البيت. كنت فاكرة إني هقدر أشتغل وأربيه لوحدي. لكن بعد أسبوعين، وأنا راجعة من شغلي، ملقتوش عند الست اللي كانت بتراعيه. قالتلي إن عمه جه أخده. جريت على بيت العيلة، وفضلت أخبط على الباب وأصرخ. محدش فتحلي. وبعد ساعات، خرج أخو جوزي وقاللي: “ابنك سافر مع جدته، وانسي إنك هتشوفيه تاني.
” صرخت وهددت إني هبلغ الشرطة. قاللي: “اعملي اللي إنتِ عايزاه.” وساعتها بدأت رحلة عذاب استمرت سنين. كنت بسمع كلامها ودموعي بتنزل غصب عني. جوزي كان ماسك إيدها بقوة. سألها: — وإنتِ معرفتيش توصلي لأبويا بعد كده؟ قالت: — دورت عليه في كل حتة، ورحت لناس كتير، وعملت محاضر، لكن العيلة كانت بتتنقل من مكان لمكان، وكل مرة أوصل لخبر ألاقيه طلع غلط.
— وعمرك ما عرفتي هو فين؟ — بعد حوالي عشر سنين، حد من قرايبهم قالي إن عبد الرحمن مات في حادثة. حطت إيدها على صدرها. — يومها حسيت إن روحي خرجت مني. فضلت شهور مش قادرة أشتغل ولا آكل. وبعدين رجعت للخياطة علشان أعيش. لكن عمري ما اتجوزت تاني. كنت كل سنة، في نفس اليوم اللي أخدوه مني فيه، أروح المكان اللي شفته فيه آخر مرة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.