أبوك كان اسمه إيه؟! قول تاني يا ابني… بالله عليك قول اسمه تاني! الست العجوز كانت ماسكة دراع جوزي بإيديها الاتنين، وبتترعش كأنها شافت حد راجع من الموت. جوزي بصلي بذهول، وبعدين رد عليها: — اسمه عبد الرحمن… عبد الرحمن محمود. أول ما سمعت الاسم، حطت إيدها على بقها، وصرخت صرخة خلت الممرضة تجري علينا. — يا ضنايا! يا حبيبي يا ابني! معقول ربنا يجمعني بيك بعد العمر ده كله؟! أنا وقفت مكاني مش فاهمة حاجة.
بصيت لجوزي، لقيته هو كمان مصدوم. قلت بسرعة: — استني يا حاجة… إنتِ بتقولي إيه؟ عبد الرحمن ده أبو جوزي، واتوفى من خمس سنين! الست سابت دراعه، ووقعت بضهرها على المخدة. فضلت تردد: — مات؟ عبد الرحمن مات؟ يا وجع قلبي… حتى هو ملحقتش أشوفه! جوزي قرب منها وسألها: — حضرتك تعرفي أبويا منين؟ بصتله بعينين مليانين دموع. — أعرفه؟ ده أنا اللي ربيته على إيديا! حسيت إن الأرض بتلف بيا. قلت: — إزاي يعني؟
! الست بصت لجوزي وقالت: — إنت ابن عبد الرحمن؟ يعني إنت حفيدي؟ جوزي اتراجع خطوة. — حفيدك؟! بس جدتي ماتت قبل ما أتولد، وأبويا عمره ما قال إن ليه أم عايشة! الست هزت راسها بحزن. — قالولك إني مت… زي ما قالولي إنه مات! وساعتها فهمت إننا قدام حكاية أكبر بكتير من مجرد ست عجوز ابني ساعدها في الشارع. لكن مين اللي فرق أم عن ابنها كل السنين دي؟
وليه جوزي عمره ما سمع عنها؟ والأغرب… إزاي أبو جوزي كان سايب جواب بيطلب فيه من ابنه يدور عليها، ومع ذلك محدش في العيلة عرف الحقيقة؟ الممرضة طلبت مننا نسيب الست ترتاح شوية، لأن ضغطها كان لسه مش مستقر. خرجنا نقف في طرقة المستشفى. جوزي كان ماشي رايح جاي، ومش قادر يصدق اللي سمعه. قلتله: — فهمني… إنت أبوك قالك إيه بالظبط قبل ما يموت؟ قعد على الكرسي وحط إيده على راسه.
— أبويا قبل وفاته بحوالي شهر، كان تعبان جدًا. وفي يوم طلب مني أجيبله صندوق خشب صغير من الدولاب. — وبعدين؟ — فتح الصندوق وطلع منه ظرف أصفر، وقالي: لو ربنا مد في عمري هحكيلك كل حاجة، ولو مت، لازم تفتح الظرف وتعمل اللي مكتوب فيه. قلت باندهاش: — وإنت فتحته؟ هز راسه. — أيوه… بعد وفاته بأسبوع. — وكان مكتوب فيه إيه؟
سكت شوية، وبعدين قال: — كان فيه ورقة مكتوب عليها اسم ست وعنوان قديم، وجملة واحدة: “دور عليها يا ابني، ولو لقيتها قولها إني عمري ما نسيتها.” بصيتله بصدمة. — وإنت عملت إيه؟ قال بحزن: — رحت العنوان، لقيت البيت اتهد من سنين، وسألت في المنطقة، بس محدش عرف يدلني عليها. — ومرجعتش تدور تاني؟ وطى راسه. — للأسف لا… كنت فاكر إنها ست كان أبويا يعرفها زمان، ومفهمتش إنها أمه.
كنت هعاتبه، لكن لما بصيت لوشه لقيت الندم كفاية عليه. وفجأة ابني، اللي كان قاعد جنبنا ساكت، سأل سؤال محدش فينا فكر فيه: — يا بابا، يعني الست دي ممكن تكون جدة جدو؟ جوزي بصله. — أيوه يا حبيبي. ابني ابتسم ابتسامة صغيرة. — يعني أنا لقيت جدتي الكبيرة؟ حسيت بغصة في زوري. الولد اللي خرج من المدرسة لأول مرة لوحده، رجع ومعاه حكاية عيلة كاملة!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.