حكايات اسما السيد 1

نُشر منذ 6 أيام
حفظ
غلاف المقال

الساعة تلاتة وحداشر دقيقة العصر، وصلتني رسالة منه: “أنا خرجت من المدرسة يا ماما، وجاي.” ابتسمت. كنت قاعدة في المطبخ بجهز الغدا، وحاطة الموبايل جنبي. قلت لنفسي عشر دقايق وهيكون عندي. عدت عشر دقايق. وبعدين خمستاشر. بصيت على الساعة وقلت يمكن وقف يسلم على صاحب ليه. لكن لما عدت عشرين دقيقة، بدأت أحس بحاجة غريبة. قلبي اتقبض. قمت فتحت الشباك وبصيت على أول الشارع. مفيش حد. مسكت الموبايل علشان أكلمه. وفي اللحظة دي رن.

كانت جارتي. ست طيبة في أوائل الخمسينات، ساكنة على بعد تلات بيوت مننا، وعارفة ابني من وهو رضيع. رديت: — أيوه يا حبيبتي، إزيك؟ مردتش. سمعت نفسها بس. قلت بقلق: — ألو؟ إنتِ سامعاني؟ وفجأة سمعت صوت عياط. — إنتِ في البيت؟ قلبي وقع. — أيوه… مالك؟ فيه إيه؟ — انزلي بسرعة. — ليه؟! — ابنك هنا. صرخت: — ابني ماله؟

! — هو كويس، متخافيش. — أمال بتعيطي ليه؟! قالت جملة خلت جسمي كله يتنفض: — تعالي شوفي ابنك عمل إيه… أنا مش قادرة أتكلم! قفلت المكالمة وجريت. نزلت السلم بسرعة لدرجة إني كنت هقع مرتين. وأول ما خرجت من باب العمارة، شفت منظر عمري ما هنساه. ابني واقف في نص تجمع صغير من الجيران. شنطته على ضهره، وقميص المدرسة الأبيض عليه تراب، وركبة بنطلونه مقطوعة. كان ماسك في إيده فوطة بيضا، متبقعة باللون الأحمر.

وعلى الأرض قدامه كانت قاعدة ست عجوز، جسمها نحيف جدًا، ولابسة إسدال قديم. كان حواليها كيس عيش واقع، وشوية حاجات متبعترة على الرصيف. والست كانت بتعيط. جريت على ابني ومسكته من كتافه. — إنت كويس؟! إيه اللي حصل؟! وإيه اللي على إيدك ده؟! بصلي بخوف. — أنا كويس يا ماما. مسكت إيده. — ده دم؟! هز راسه. — أيوه… بس مش دمي. حسيت بدوخة. — دم مين؟!

وقبل ما يرد، جارتي قربت مني وقالت: — اهدي… ابنك أنقذ روح بني آدمة النهارده. بصيتلها وأنا مش فاهمة. — أنقذ مين؟! شاورَت على الست العجوز. — الست دي. لفيت ناحيتها. كانت بتبص لابني بنظرة غريبة، فيها امتنان وخوف وحزن. وقالت بصوت متقطع: — ربنا يباركلك فيه يا بنتي… ابنك ده عمل معايا اللي أقرب الناس ليا معملهوش. قعدت على ركبتي قدامها. — حضرتك كويسة؟

محتاجة إسعاف؟ قالت: — الإسعاف في الطريق… بس لولا ابنك، مكنتش هكون قاعدة قدامك دلوقتي. بصيت لابني. — احكيلي حصل إيه؟ بدأ يتكلم وهو بيحاول يمنع دموعه. — أنا كنت راجع من المدرسة زي ما اتفقنا، ومشيت في نفس الطريق. — وبعدين؟ — لقيت الست دي ماشية قدامي، شايلة كيس تقيل، وكل شوية تقف تسند على الحيطة. بص للست وكمل: — أنا افتكرت إنها تعبانة، فسألتها لو محتاجة مساعدة. الست ابتسمت وسط دموعها.

— قلتله لا يا حبيبي، روح لأمك، متتأخرش عليها. ابني كمل: — مشيت شوية، وبعدين سمعت صوت حاجة وقعت. بلع ريقه. — بصيت ورايا، لقيتها وقعت على الأرض، والناس بتعدي من جنبها. سألته بسرعة: — محدش وقف يساعدها؟ هز راسه. — في ناس افتكروها قاعدة تستريح، وواحد قال إنها أكيد بتشحت. الست وطت وشها. وجارتي قالت بحزن: — للأسف، في ناس بتشوف الكبير الغلبان ومبتسألش هو محتاج إيه.

ابني كمل: — أنا جريت عليها، لقيتها مش قادرة تتكلم كويس، وفي دم نازل من إيدها علشان اتجرحت لما وقعت. بصيت للفوطة اللي في إيده. — وإنت عملت إيه؟ قال: — طلعت الفوطة الصغيرة اللي بتحطيهالي في الشنطة، وحاولت أضغط بيها على الجرح، وبعدين ناديت على الناس يساعدوني. وقفت لحظة وأنا ببصله. أنا اللي كنت كل يوم أقوله ياخد باله من نفسه… لقيته في أول يوم يمشي فيه لوحده، بيحاول ياخد باله من حد تاني.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
Rm

Romany mkram موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
16مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايات اسما 1 حظك اليوم

حكايات اسما 1

جوزي طردني من بيتي علشان بنت خالته المطلقة… لكن المفاجأة اللي حضرتها لهم قلبت حياته…

Romany mkram 0.0 8 دقائق
حكايات اسما 2 حظك اليوم

حكايات اسما 2

جوزي طردني من بيتي علشان بنت خالته المطلقة… لكن المفاجأة اللي حضرتها لهم قلبت حياته…

Romany mkram 0.0 10 دقائق
حكايات اسما 3 حظك اليوم

حكايات اسما 3

جوزي طردني من بيتي علشان بنت خالته المطلقة… لكن المفاجأة اللي حضرتها لهم قلبت حياته…

Romany mkram 0.0 9 دقائق