اخرجي بسرعة يا حبيبتي… لازم تشوفي ابنك عمل إيه! كانت دي الكلمات اللي سمعتها من جارتي، بعد ما ابني اللي عنده 11 سنة اتأخر عن الرجوع من المدرسة لأول مرة أسمحله يمشي فيها لوحده. صرخت فيها وأنا حاسة إن قلبي هيقف: — ابني ماله؟! حصله حاجة؟! ردي عليّا بالله عليكي! قالت بصوت مخنوق من العياط: — ابنك كويس… بس اللي عمله ده… أنا عمري ما شفت زيه في حياتي!
جريت على باب الشقة وفتحته، ونزلت السلم وأنا مش حاسة برجليا. وأول ما وصلت الشارع، لقيت جارتي واقفة جنب الرصيف، ووشها كله دموع. وابني واقف على بعد خطوات منها، لابس شنطة المدرسة، وهدومه متبهدلة، وعلى إيده آثار لونها أحمر! لكن اللي خلاني أتسمر مكاني مش هدومه ولا إيده… كانت الحاجة اللي موجودة على الأرض قدامه! بصيتله وأنا مرعوبة وقلت: — إنت عملت إيه يا حبيبي؟! رفع وشه وبصلي، وكانت عينيه مليانة دموع.
وقال بصوت واطي: — أنا آسف يا ماما… بس مقدرتش أسيبها! وقبل ما أسأله يقصد مين، سمعت صوت ست عجوز بيطلع من ورا جارتي: — متزعقيش لابنك يا بنتي… ده ربنا بعتهولي في آخر لحظة! أنا أم عندي 38 سنة، وجوزي شغال محاسب في شركة خاصة، وعندنا ولد واحد ربنا رزقنا بيه بعد خمس سنين جواز. ابني بالنسبة ليا الدنيا كلها.
من يوم ما اتولد وأنا بخاف عليه من الهوا، يمكن لأني استنيته سنين طويلة، ويمكن لأني شفت قد إيه في أمهات بتتوجع على ولادها. كنت من النوع اللي لازم يعرف ابنه فين، ومع مين، وراجع إمتى. حتى لما كبر وبقى عنده 11 سنة، كنت لسه بروح أوصله المدرسة وأرجعه بنفسي. كان دايمًا يتضايق ويقولي: — يا ماما، كل أصحابي بيروحوا لوحدهم، إلا أنا!
أضحك وأقوله: — لما تبقى أطول مني هسيبك تروح لوحدك! يرد وهو واقف على أطراف صوابعه: — طب أهو أنا قربت! وأفضل أضحك وأحضنه. بس من حوالي شهر، بدأ يطلب الموضوع بجد. كل يوم يرجع من المدرسة ويقعد يقنعني. — يا ماما، المدرسة قريبة أوي، عشر دقايق مشي بس. — عارفة يا حبيبي. — وشارعنا معروف، وكل الناس عارفاني. برضه عارفة. — طب خايفة من إيه؟ كنت بسكت. لأني بصراحة مكنتش عارفة أرد عليه.
أنا عارفة إنه كبر، وإن لازم أبدأ أعلمه يعتمد على نفسه، بس قلب الأم ساعات بيكون أقوى من أي منطق. وفي يوم، وأنا بحكي لجوزي، قالي: — سيبيه يا حبيبتي يجرب. الولد لازم يتعلم يتحمل مسؤولية نفسه. قلتله: — طب ولو حصله حاجة؟ رد بهدوء: — هنعلمه قواعد الأمان، ونتابع معاه، بس مش هنفضل ماسكين إيده طول العمر. كلامه خلاني أفكر. وفعلًا، قررت أوافق. كان يوم الخميس. صحيت بدري، وجهزتله الفطار، وحطيتله السندوتشات في الشنطة.
كان فرحان بطريقة مش طبيعية. فضل يلف حواليا وهو بيقول: — بجد يا ماما؟ يعني النهارده هرجع لوحدي؟ قلتله وأنا بحاول أبين إني هادية: — أيوه، بس بشروط. وقف قدامي زي العسكري. — تحت أمرك يا فندم! ضحكت رغم قلقي. وقلتله: — أول ما تخرج من المدرسة تبعتلي رسالة. — حاضر. — تمشي في الطريق اللي اتفقنا عليه. — حاضر. — متقفش عند أي محل، ومتروحش مع حد، ولو حصل أي حاجة تكلمني فورًا. — حاضر يا ست الكل!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.