#الكاتب_رومانى_مكرم
البيت كان "ع الزيرو".. صدى صوت بس. وفي نص الصالة، كان واقف أمين شرطة ببدلته الميري، وجنبه كرتونة أخيرة، وعلى ترابيزة السفرة الفاضية، حطيت له "محضر تعدي" وورقة دعوى خلع.. عشان يعرف إن القهوة المرة بتفوق!تفتكروا "سيد" هيعمل إيه لما يكتشف إن السفرة مفيهاش حتى بلحة يفطر عليها؟
الصوت الوحيد اللي كان مالي الشقة هو صوت المروحة القديمة اللي كانت بتلف ببطء في سقف الصالة، مع صدى أنفاس "سيد" المقطوعة وهو واقف عتبة الباب، وعينه طايرة في كل ركن فاضي. الحيطة اللي كان معلق عليها شاشة التلفزيون بقت بيضاء وسايبة مكانها أثر تراب قديم، والسفرة اللي كانت مليانة أكل وطمع بقيت خشب أملس ملوش أي طعم ولا ريحة، غير ورقة المحضر ورقة الخلع اللي محطوطين في النص كأنهم إشعار طرد من الجنة.
نجلاء أخته اتنفضت من وراه، وسابت الشنطة المضروبة اللي كانت تلزقها في إيدها دايماً تقع على البلاط. بصت للشقة وهي فاتحة بوقها كأنها شايفة عفريت، وبعدين بصت لأخوها بصة كلها رعب وذعر وقالت بصوت متهدج:"فين العفش يا سيد؟! الشقة طارت فين؟! دي كانت لسة مليانة ترابيزات ونيش وكراسي من خمس دقايق!"سيد ما ردش.
كان واقف زي المسمار في خشب الأرض، ريحة القهوة المحروقة اللي كانت على هدومي لسه طايرة في جو الصالة، بس المرادي القهوة بقت في دماغه هو. حس إن الدم عطف في ودانه، وبص لأمين الشرطة اللي كان واقف بكل هدوء بيقفل الكرتونة الأخيرة وبيلزقها بشريط لاصق. أمين الشرطة بص لسيد ببرود وقال:"كل حاجة بفاتورة يا هانم..
والأستاذة مارينا معاها عقود الشراء بتاعتها كاملة، والشقة دي إيجار باسمها من قبل الجواز، والعفش كله منقول برضا القانون وتحت إشرافنا، عشان الأستاذة رافعة محضر تعدي وعنف أسرى وحروق من الدرجة الأولى. اتفضلوا اقعدوا براحتكم.. البيت بيتكم، بس الحيطة مش هتاكلوا منها!"ضحكت بسخرية وأنا واقفة على باب المخرج، لابسة نظارة شمسية مدارية جزء من الحرق اللي في خدي، وماسكة شنطتي وفي إيدي التانية كيس فيه علبة الدواء اللي كتبها لي دكتور الطوارئ.
بصيت لسيد نظرة أخيرة.. الراجل اللي كان بيترعش عشان يرضي أخته، واللي باعني بكلمتين، بقى قدامي حتة كومبارس فاقد الأهلية، مش عارف يحرك حتى لسانه. نجلاء جابت آخره، وفضلت تزعق في وش سيد وهي بتخبط على صدرها:"ساكت ليه يا أخويا؟! كلم البوليس! قولهم دي سرقت بيتك! دي مشيت بالبيت كله في ساعتين! أنا كنت جاية أخد كلمتين على مية بيضا عشان أخلص إيصالات الأمانة اللي على جوزي، تقوم تطلعني من حارة الملاحين على البلاط كده؟
!"سيد كأن المية انقطعت من ريقه. بلع ريقه بصعوبة بالغة، وابتدي يتقدم نحوي بخطوات بطيئة، عينه في الارض، وكأنه استوعب أخيراً إن اللعبة خلصت وإن الكارت اتحرق. مد إيده المرتعشة وقال بصوت مكسور:"مارينا.. اهدي.. البسكوتاية بتاعتي.. إحنا ممكن نتكلم.. ده كله عشان أختي؟ طب خلاص، ولله ما أنا واخد منها حاجة، ولا عايز فيزا ولا غيره.. تعالي ادخلي بيتك واقعدي على راحتك، وسيبينا من الهبل ده عشان الجيران تفهم إيه؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.