شركتي للتصميم الهندسي والديكور بقت اسم معروف وليها مشاريع في العاصمة الإدارية والتجمع، وتارا بقت شريكتي ورعاتي في كل نجاح بنحققه مع بعض. وجعي القديم، أثر الحرق، وكابوس سيد ونجلاء، بقوا مجرد صفحة مطوية في كتاب قديم قفلته للأبد. في يوم خميس، كنت قاعدة في المكتب بخلص بعض الرسومات الهندسية، وفجأة دخلت تارا وعينيها مليانة دهشة وهي ماسكة ورقة رسمية من المحكمة. قالت بصوت مذهول: "مارينا.. تعالي بصي كده!
إعلان رسمي وصل للمكتب من محكمة استئناف جنايات القاهرة!"رفعت عيني ببرود وقنعت نفسي إن مفيش حاجة ممكن تهزني تاني، وسألتها: "إعلان بإيه يا تارا؟ هو لسه فيه قضايا متعلقة بيهم؟"قعدت تارا قدامي وقالت: "سيد! سيد قدم طلب التماس لإعادة الإجراءات في قضيته، وطالب بوقف تنفيذ العقوبة أو تخفيفها بحجة إنه كان 'مسلوب الإرادة' ومجبر من أخته، وطالب كمان.
.. بطريقتي الخاصة!"سألتها باستنكار: "طالب إيه؟!"قالت تارا وهي بتبص في الورقة: "طالب بإثبات حقوقه الزوجية القديمة، وبيعترض على الخلع، وبيدعي إنك 'اتخلعتي منه غيابياً وبطرق غير قانونية' وإن لسه ليه حقوق عندك!"ضحكت بسخرية صوتها ملي الثقة، وقومت وقفت قدام البلكونة الكبيرة للمكتب اللي بتطل على شوارع التجمع الواسعة، وقلت لتارا بنبرة قوية:"لسه فاكر يفوق؟ بعد سنتين جوه الحبس، وبعد ما أخته بعته بالرخيص، جاي يفتكر إن ليه حقوق؟
العبد لله ده مش بيتعلم، فاكر إن الحياة ممكن ترجع لورا."تارا سألتني بحماس: "وهتعملي إيه؟ الجلسة الشهر الجاي، هتروحي ولا هتبعتي المحامي؟"ابتسمت والتفتت ليها وأنا بقول:"طبعاً هروح.. هروح بنفسي وأنا رافعة راسّي، مش عشان أرد عليه، بس عشان أشوفه وهو بياخد القلم الأخير من القاضي، ويعرف إن اللي تبيع نفسها للكرامة والعزة مستحيل تنكسر تاني قدام ذئب بشري.
"جهزت نفسي للمعركة الأخيرة، وعارفة كويس إن القاضي العادل مش هيسمح للظلم يرجع يدق بابي تاني.. وتفتكروا سيد هيعمل إيه لما يشوفني قدامه في قاعة المحكمة وأنا في أحسن حال وهو في قاع الانهيار؟يوم جلسة الاستئناف، الشمس كانت ساطعة في سماء القاهرة، ونورها منعكس على زجاج عربيتي وأنا سايقة بنفسي لحد محكمة الاستئناف. مبقاش عندي أي ذرة خوف أو رهبة؛ الأيام والصعاب اللي عشتها صنعت مني حديد مبيتعوجش.
دخلت من بوابة المحكمة ومعايا الأستاذ رمزي محاميّ وتارا اللي كانت دراعي اليمين من أول يوم للحكاية. قاعة الاستئناف كانت واسعة ومزدحمة بأصوات المحامين والملفات، وقفنا في المكان المخصص، وبعد لحظات، دخل الحرس وبصوتهم العالي نادوا على رقم القضية. ومن باب قفص الاتهام، ظهر "سيد".منظره كان أصعب بكتير من المرة اللي فاتت. سنتين السجن والكسرة وهجران أخته اللي باعته طحنوا ما تبقى منه.
شعره الأبيض كسى رأسه، ووشه دبل تماماً، وعينيه التائهة كانت بتلف في القاعة كأنها بتدور على طوق نجاة وسط بحر ميت. أول ما وقعت عينه عليا، وانا واقفة بثبات وبدلة العمل الرسمية وشعري المربوط باحتراف، حسيت كأنه شاف عفريت مش بني آدم. عيونه اتسعت بصدمة، وتحرك خطوة لقدام جوه القفص وكأنه عايز ينطق، بس عساكر الحجز منعوه بقسوة. نادى القاضي بوقاره المعهود، وساد الصمت في القاعة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.